6 مايو، 2012

فوق ضلوعي





( بُكرا بيجي نيسان يغوينا  )

إبريل ركض في دوائرَ بطيئة على أرواحنا وكعادته لا أذكر أنه كان صادقاً إلا في الوداع ، يطعننا ويبكي أتربته في جروحنا ، عائداً بشيخوخةٍ قديمة لم يُباركها الورد، فكنا نسترجع خيانتنا مرتين ونتوحد بانكسارنا ثلاثياً، أربعة أشهر ذبلت في التشوش وإبريل كاذب بالتكاثر ..

الطيور تبكي فينا والعالم مجرد مساحة حمقاء لا تُبقيك في الآمان أبداً ، فالسناجب تأكل بطوننا بسرعة مفزعة ، والثعابين في رؤوسنا لم تنتبه بعد .. كي تنزل في مبارزةٍ بالفم ، هتك الأعراض / العمالة / التكفير / خراب البلد / وأن يسير بين أوردة الوطن تسوس صارخ وألسنةٌ مشبوهة، كل هذا قَوس التحرير على أعضائه، فعليه أن يحارب ويلعن كل هذا التسوس الاستعبادي والإيمان التام بأصنامِ الشيوخ المزورة ، عليه أن يلحس لُعاب التخوين ضده والذي لا يتناسب مع الحية الكبيرة التي خانت حناجرهم وقطعت لغة البصيرة لديهم، ولكن كان على التسوس أن يسجل لنفسه كل الشوائب كي يُكفر عنها قبل أن يحتفل بها ويسود العالم بالتقزز ! ..

فالعباسية لم تعد مسرحاً للمجانين الذين خافوا عليها من الانتماء، لأنها بكل دموية انتحرت في السياسة، ومايو يبتدئ النهاية والقوى السياسية تلعب بين أصابع السلمية بخباثة دنيئة، والمواطنون الشرفاء يَسبحون في " حلل المحشي " مغردين بنشازٍ بالغ  " من قال للأرواح البريئة أن تكون هناك ! "، العلمانية ضد الإسلامية والإسلامية ضد العلمانية في وطنٍ واحدٍ تتقطع رجلاه وذراعاه في المنتصف، والعسكر وحده على كوكب بلوتو فوقكم تماماً أيها الصاعدون من التحرير تعلو ضحكته، يغني في فم مصاصي الدماء
( Bang bang
I shot you down, bang bang
You hit the ground , bang bang )

فطوبى لصدع الانتماء الذي أصاب الجندي والمُحارب فقتل الأخ وسامح العدو، طوبى للهاربين من البلاد لكوننا من أجل وطن لا يعطينا غير الموت نموت به، طوبى للتسكع بلا هدفٍ لأننا تبخرنا في طلب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، طوبى للعابرين لأني أبكي الأصدقاء جميعاً ..

وقلبي جهة الضائعين في الوصول، عيني ترتعب وإذا لمست يدي حينها لاكتشفت الهلع ، أرتجف لمجرد أن لعينك كل هذا الحنان وأغرسه بغلظة ، ضمني لأتوقف ، حضنك ابتعد فجأة وكوني قلت " لا " دون تفكير يضعني في عقاب الوحدة ، وكونكَ عادلاً في الحضور يفزعني، وكونك محيراً في القبول يرهقني، كونك لا تكترث بحرب العباسية غير على يدي ورائحة القهوة في صوتي  لا يجعلني أُنثاك المُدللة فوق دمائهم ، فلا تقف على قلب حلم بسيطٍ ، بسيطٍ  في الخيال وأصعب من أن تقول مجرد : " وداعاً " ولا يعتصر صدرك !..

من سيقول للحالمين أن الحلم وعد لا يتحقق ولا يزول ؟، من سيقول للأهالي أن الأبناء يموتون في صدر العسكر كلما كسروا الحوائط؟، من سيقول لنا ان الوطن خُدعة حين نثور في بلدٍ تنبت رؤوس أبنائها تحت الدبابات ؟، من سيقول لقلبي أن الارض تدور حول نفسها كي لا يدور حول غيره ؟، من سيقول للجميع أن كل وعودهم / تَمسكهم / إصراراهم يتلاشى بمجرد أن تقول غير واثقٍ تماماً في لحظةٍ مرتبكة ' لا ' عفوية ..

فغداً جاء نيسان وغوانا !
....

هناك 4 تعليقات:

  1. 1- أبريل أقسى الشهور. هكذا يفتتح إليوت قصيدته العلامة: الأرض اليباب

    2- مبهرٌ هذا الاستعمال التناصّى لأغنية نانسى سيناترا حين توضع - بكل ما لها من زخم فى الانفعال والذاكرة - على لسان العسكر

    3- ذكّرنى باراجراف التطويبات بليلى والمجنون لعبد الصبور، وإن كان يستحضر المسرحية بطريقة غير مباشرة، حتى لأضبط نفسى متلبسا بإعادة طرح السؤال الذى طرحه " الأستاذ": كيف ترعرع فى وادينا الطيب - هذا القدْرُ من السِفلة والأوغاد؟

    4- بمراعاة كل تفاصيل المشهد/الوطن/الواقع، بمراعاتها يصبح منطقيا تماما، ومقبولا، ومتوقعا أن يبتعد حضنه فجأة، حتى لو لم تقولى لا

    5- قولى أنتِ للحالمين إن الحلم وعد لا يتحقق ولا يزول، فطوبى لمن أدرك ذلك وظل قابضا على جمر الحلم قبضَ المؤمن

    وقولى أنتِ للأهالى إن الأبناء يموتون فى صدر العسكر وذاكرة الوطن وصفحات التاريخ. ووحدكِ اذكريهم إذا نسيتهم شهود العيان، ومضبطة البرلمان، وقائمة التهم المعلنة؛ فمن الموت كثيرا ما يكون البعث والميلاد

    وقولى أنتِ لنا إن الوطن خدعة، وإن هذه البلاد تأكل أبناءها، وتقدمهم على مذبح اللاشىء قربانا، منذ أن صارت أرضا لم يعِد الله بها - من خرجوا من صلبها - وانغرسوا فى تربها - وانطرحوا فى حبها مستشهدين

    6- وأخيرا يأتى الخلاف - على مستوى الأيديولوجى، لا الفنى: لا الثورة، ولا أهل التحرير بالنقاء الذى نحسبه، ولا بالطهر الذى نخلعه عليهم. أما لحى الشيوخ فبريئةٌ من كثيرٍ مما علّقه بها الآخرون. الآخرون دائما

    تحيتى يا نهى الحميمة التى تُنتج نصوصا تستلهم الحدث وتهضمه، فتخرج عميقةً بلا صخب أو جعجعة .. ككل فن باق

    ردحذف
  2. تحليلك هايل جداً يا محمد :)

    للنقطة الأخيرة النص لا يضفي على آل التحرير قدسية أو طُهر هو يستخدم رمزية التحرير كهدف مطلق للحرية سواء توالت عليه الأوفياء أو بعض الأوغاد يبقى رمزيته في الهدف مثله مثل لحى الشيوخ البريئةٌ من الآخرين أو بعضهم :) والذي عكستها حين وصفت فكرة التحرير باسمه صافيا من اي آخرين ولكن الشيوخ خصصتها في بعضهم المزورين واللحى تظل بريئة هي فقط تحتاج لاطلاقها أمانة ما لابد أن يجتهد الأخرين لحفظها من أي سوء :)

    المهم والأهم إن مرورك جميل على كل حال :)

    ردحذف
  3. أعرف أن الاستطراد سيجرنا إلى مساحة السياسى، وأعرف أننا لو انجررنا إلى مساحة السياسى فلن نتفق. وأنا غير راغب - بالمرة - فى تحويل بلوجر إلى فيس بوك. لذلك، فلنتحدثْ فى الشِعر؛ فالشِعرُ أخفُّ الأضرار :)

    اكتبى جديدا سلمت يداك :)

    ردحذف
  4. ماشي :)

    ولا يفسد الاختلاف في الراي للبلوجرز قضية :))

    وهأحاول أكتب

    ردحذف